أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

356

شرح مقامات الحريري

وقد جاء من ذلك في الشّعر ما يستحسن ، قال ابن أبي فنن : أحسن ما قيل فيه قول العباس بن الأحنف : [ البسيط ] ما أنس ما أنس يمناها معطّفة * على فؤادي ويسراها على رأسي « 1 » وقولها : ليته ثوب على جسدي * وليتني كنت سربالا لعباس أو ليته كان لي خمرا وكنت له * من ماء مزن فكنا الدّهر في كأس قال الحاتمي : وأحسن دعبل كل الإحسان في قوله : [ البسيط ] اللّه يعلم والأيام دائرة * والمرء ما بين إيحاش وإيناس « 2 » أني أحبّك حبّا لو تضمّنه * سلمى سميّك دكّ الشاهق الرّاسي حبّا تلبّس بالأحشاء وامتزجا * تمازج الماء بالصّهباء في الكاس وقال البحتري فأحسن : [ البسيط ] تهتزّ مثل اهتزاز الغصن حرّكه * مرور غيث من الوسميّ سحّاح « 3 » إني وجدتك من قلبي بمنزلة * هي المصافاة بين الماء والرّاح . * * * وطفق القاضي بعد مسرحهما ، وتنائى شبحهما ، يثني على أدبهما . ويقول : هل من عارف بهما ؟ فقال له عين أعوانه ، وخالصة خلصانه : أما الشيخ فالسّروجيّ المشهود بفضلة ، وأمّا المرأة فقعيدة رحله ، وأمّا تحاكمهما فمكيدة من فعله ، وأحبولة من حبائل ختله ، فأحفظ القاضي ما سمع ، وتلهب كيف خدع ، ثم قال للواشي بها : قم فردّهما ، ثم اقصدهما وصدهما ، فنهض ينفض مذرويه ، ثم عاد يضرب أصدريه ، فقال له القاضي : أظهرنا على ما نبثت ، ولا تخف عنّا ما استخبثت ، فقال : وما زلت أستقري الطرق ، وأستفتح الغلق ، إلى أن أدركتهما مصحرين ، وقد زمّا مطيّ البين ، فرغّبتهما في العلل ، وكلفت لهما بنيل الأمل ، فأشرب قلب الشيخ أن ييأس ، وقال : الفرار بقراب أكيس ، وقالت هي : بل العود أحمد ، والفروقة يكمد . * * * قوله : طفق ، أي جعل . مسرحهما : انصرافهما . تنائى شبحهما : بعد شخصهما ، وعين الأعوان : مقدّمهم . والخلصان : الأحباب وخالصة : خيار ، فكأنه خيار خيارهم . قعيدة رحله : زوجته وصاحبة بيته . مكيدة : مكر أحبولة : شبكة . ختله : خداعه . أحفظ :

--> ( 1 ) الأبيات في ديوان العباس بن الأحنف ص 156 . ( 2 ) الأبيات في ديوان دعبل بن علي الخزاعي ص 94 . ( 3 ) البيتان في ديوان البحتري ص 442 .